الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
92
شرح ديوان ابن الفارض
إذا كانت المقاربة مثبتة فلأن الإخبار بقرب الشيء يقتضي عرفا عدم حصوله وإلا لكان الإخبار حينئذ بحصوله لا بمقاربة حصوله إذ لا يحسن في العرف أن يقال لمن صلّى قد قارب الصلاة ولا فرق فيما ذكرناه بين كاد ويكاد فإن أورد على ذلك وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : الآية 71 ] مع أنهم فعلوا إذ المراد بالفعل الذبح ، وقد قال تعالى : فَذَبَحُوها [ البقرة : الآية 71 ] فالجواب أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر ، فإنهم كانوا أوّلا بعداء في ذبحها بدليل ما تلي علينا من تعنّتهم وتكذيب سؤالهم ، ولمّا كثر استعمال مثل هذا فيمن انتفت عنه مقاربة الفعل أولا ثم فعله بعد ذلك توهّم من توهّم أن هذا الفعل بعينه هو الدّال على حصول الفعل وليس كذلك وإنما فهم حصول الفعل من دليل آخر كما فهم في الآية من قوله تعالى : فَذَبَحُوها انتهى . قلت : ومما بنوه على أسلوب اللغز السابق ما روي أن بعض علماء العربية سمع قول ذي الرّمّة غيلان : إذا غير الهجر المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح فاعترض عليه بما حاصله أن كاد ويكاد يوجبان النفي في الإثبات ، والإثبات في النفي والواقع في بيت ذي الرّمّة منفي فيكون مثبتا فيصير المعنى حينئذ رسيس الهوى زال من حبّ ميّة مع أن المراد دعوى عدم ذهابه ، وسلّم ذو الرّمّة له اعتراضه فغيّره بقوله : لم تجد . ثم إن المحقّقين قالوا : المعترض مخطىء وتسليم ذي الرّمّة خطأ أيضا ، والصواب بقاء البيت على ما هو عليه ، ومعناه لم يقرب رسيس الهوى من الزوال إذا زال حبّ المحبّين من البعاد ، بل هذه العبارة أبلغ من قولهم : لم يبرح رسيس الهوى وذلك لأن مقاربة الزوال إذا انتفت فالزوال من باب أولى ، والمعنى هذه الحبيبة قد خرّت لها الأقمار طائعة في اليقظة ومع ذلك فإنها لم يكد بها ولم تحارب بسبب إفشاء سرّ الغرام وإظهار حقيقة المنام . فالبيت بمنزلة الاحتراس الذي يفيد كمال استيلائها وعدم خوفها من شريك في الحسن أو مناظرة في الجمال أو مقابل في المقام والمقام والحسد إنما يكون للمتقاربين في المراتب ، والمتقارنين في المناصب . وقد قال ابن الرومي في المعنى وأجاد : هيهات فتّ الحاسدين فأذعنوا * لك بالفضائل والفعال الأمجد يتحاسد القوم الذين تقاربت * طبقاتهم وتقارنوا في السّؤدد وفي البيت الجناس المحرّف بين تكد وتكد والتلميح إلى قصة يوسف .